إسماعيل بن القاسم القالي
671
الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )
فقالت لها الظريفة : قتلتيه قتلك اللّه ! فقالت مي : إنه لصحيح وهنيئا له . قال : فتنفس ذو الرمة تنفّسا كاد يطير حرّه شعر وجهي ، قال : ثم أنشدت حتى بلغت إلى قوله : وقد حلفت باللّه ميّة ما الذي * أحدّثها إلا الذي أنا كاذبه إذا فرماني اللّه من حيث لا أرى * ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه قال فقالت ميّ : خف عواقب اللّه عز وجل يا غيلان ، قال : ثم أنشدت حتى بلغت إلى قوله : إذا نازعت القول ميّة أو بدا * لك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه فيا لك من خدّ أسيل ومنطق * رخيم ومن خلق تعلّل جادبه « 1 » قال فقالت الظريفة : هذا الوجه قد بدا ، وهذا القول قد تنوزع فيه ، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه ، فقالت ميّ : صلى اللّه على رسول اللّه ما أنكر ما تجيبين به منذ اليوم . قال : فقامت الظريفة وقمن معها ، فقالت : دعوهم فإن لهم لشأنا ، فقمت فجلست ناحية ، وجلسا بحيث نراهما ولا نسمع من كلامهما إلا الحرف بعد الحرف ، واللّه ما رأيتهما برحا من مكانهما ، وسمعتها تقول له : كذبت ، فو اللّه ما أدري ما الذي كذّبته فيه إلى الساعة . ثم خرج ومعه قارورة فيها دهن وقلائد ، فقال : أعصمة ، هذه دهنة طيّبة أتحفتنا بها ميّ وهذه قلائد قلّدتها ميّ الجؤذر ، ولا واللّه لا قلّدتهنّ بعيرا أبدا ، فعقدهنّ في ذؤابة سيفه وانصرفنا . فلما كان بعد ، أتاني فقال : هيا عصمة : قد رحلت ميّ فلم يبق إلا الديار ، والنظر في الآثار ، فانهض بنا ننظر إلى آثارها . قال : فركب وتبعته ، فلما أشرف على المرتبع قال : [ الطويل ] ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى * ولا زال منهلّا بجرعائك القطر وإن لم تكوني غير شام بقفرة * تجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر قال : ثم انفضخت عيناه بالبكاء ، فقلت : مه يا ذا الرمة ، فقال : إنّي لجلد على ما ترى ، وإنّي لصبور . قال : فما رأيت رجلا أشدّ صبابة ولا أحسن عزاء منه . ثم افترقنا فكان آخر العهد به . قال عصمة : وكانت ميّ صفراء أملودا واردة الشعر حلوة ظريفة ، وإنّ في النساء اللاتي معها لأحسن منها ، وكان عليها ثوب أصفر ونطاق أخضر . [ 304 ] [ شعر لابن أذينة ] : قال : وأنشدنا لابن أذينة : [ الكامل ] ولقد وقفت على الديار لعلّها * بجواب رجع تحيّة تتكلم لبثوا ثلاث « 2 » منّى بمنزلة غبطة * وهم على عجل لعمرك ما هم
--> ( 1 ) أي : لا يجد فيه مقالا ولا يجد فيه عيبا يعيبه به فيتعلل بالباطل وبالشيء يقوله وليس يعيب . كذا في « اللسان » . ط ( 2 ) يريد ثلاثة أيام التشريق وهي التي يقف فيها الحاج بمنى . ط